الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
74
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
آيات أخرى مثل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [ الفرقان : 27 ] الآية . والندامة : التحسّر من عمل فات تداركه . وقد تقدمت عند قوله تعالى : فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ في سورة المائدة [ 31 ] . وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ 33 ] . عطف على جملة إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ [ سبأ : 31 ] . والتقدير : ولو ترى إذ جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا . وجواب ( لو ) المحذوف جواب للشرطين . و الْأَغْلالَ : جمع غلّ بضم الغين ، وهو دائرة من حديد أو جلد على سعة الرقبة توضع في رقبة المأسور ونحوه ويشد إليها بسلسلة أو سير من جلد أو حبل ، وتقدم في أول سورة الرعد . وجعل الأغلال في الأعناق شعار على أنهم يساقون إلى ما يحاولون الفرار والانفلات منه . وتقدم عند قوله تعالى : وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ في الرعد [ 5 ] . و الَّذِينَ كَفَرُوا هم هؤلاء الذين جرت عليهم الضمائر المتقدمة فالإتيان بالاسم الظاهر وكونه موصولا للإيماء إلى أن ذلك جزاء الكفر ، ولذلك عقب بجملة هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ مستأنفة استئنافا بيانيا ، كأن سائلا استعظم هذا العذاب وهو تعريض بهم . والاستفهام ب هَلْ مستعمل في الإنكار باعتبار ما يعقبه من الاستثناء ، فتقدير المعنى : هل جزوا بغير ما كانوا يعملون ، والاستثناء مفرّغ . و ما كانُوا يَعْمَلُونَ هو المفعول الثاني لفعل يُجْزَوْنَ لأن ( جزى ) يتعدّى إلى مفعول ثان بنفسه لأنه من باب أعطى ، كما يتعدى إليه بالباء على تضمينه معنى : عوّضه . وجعل جزاؤهم ما كانوا يعملون على معنى التشبيه البليغ ، أي مثل ما كانوا يعملون ، وهذه المماثلة كناية عن المعادلة فيما يجاوزونه بمساواة الجزاء للأعمال التي جوزوا عليها حتى كأنه نفسها كقوله تعالى : جَزاءً وِفاقاً [ النبأ : 26 ] . واعلم أن كونه مماثلا في المقدار أمر لا يعلمه إلّا مقدّر الحقائق والنيات ، وأما كونه وِفاقاً في النوع فلأن وضع الأغلال في الأعناق منع من حرية التصرف في أنفسهم فناسب نوعه أن يكون جزاء على ما عبّدوا به أنفسهم لأصنامهم كما قال تعالى : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ [ الصافات : 95 ] وما تقبلوه من استعباد زعمائهم وكبرائهم إياهم قال تعالى :